ابن كثير

322

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ثم أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض على طريق تخرجه على ثنية المرار والحديبية من أسفل مكة ، قال فسلك بالجيش تلك الطريق ، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ، ركضوا راجعين إلى قريش ، فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى إذا سلك ثنية المرار بركت ناقته فقال الناس خلأت ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما خلأت وما ذلك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة ، واللّه لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها » . ثم قال صلى اللّه عليه وسلم للناس : « انزلوا » قالوا : يا رسول اللّه ما بالوادي من ماء ينزل عليه الناس ، فأخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه ، فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه فيه ، فجاش بالماء حتى ضرب الناس عنه بعطن . فلما اطمأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة ، فقال لهم كقوله لبشر بن سفيان ، فرجعوا إلى قريش فقالوا : يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وإن محمدا لم يأت لقتال إنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحقه ، فاتهموهم . قال محمد بن إسحاق : قال الزهري : كانت خزاعة في عيبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، مشركها ومسلمها لا يخفون على رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم شيئا كان بمكة ، فقالوا : وإن كان إنما جاء لذلك فو اللّه لا يدخلها أبدا علينا عنوة ، ولا يتحدث بذلك العرب ، ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص أحد بني عامر بن لؤي ، فلما رآه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « هذا رجل غادر » فلما انتهى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كلمه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بنحو مما كلّم به أصحابه ، ثم رجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فبعثوا إليه الحليس بن علقمة الكناني ، وهو يومئذ سيد الأحابيش ، فلما رآه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي » في وجهه فبعثوا الهدي فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله ، رجع ولم يصل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إعظاما لما رأى فقال : يا معشر قريش لقد رأيت ما لا يحل صده الهدي في قلائده قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله ، قالوا : اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك . فبعثوا إليه عروة بن مسعود الثقفي فقال : يا معشر قريش إني قد رأيت ما يلقى منكم من تبعثون إلى محمد إذا جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد ، وقد سمعت بالذي نابكم فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئت حتى آسيتكم بنفسي . قالوا : صدقت ما أنت عندنا بمتهم . فخرج حتى أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فجلس بين يديه فقال : يا محمد جمعت أوباش الناس ثم جئت بهم لبيضتك لتفضها ، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل ، قد لبسوا جلود النمور يعاهدون اللّه تعالى أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدا ، وأيم اللّه لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا ، قال وأبو بكر رضي اللّه عنه قاعد خلف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم